حقيقة تاريخية لا تقبل الشك؛ إن زواج المتعة لم يُحرم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل بقي مباحاً، ولهذا ظلّ ثلّة من كبار الصحابة كابن عباس يفتون بحله ويؤكدون مشروعيته بعد وفاته، مستندين إلى ما جرى في عصر النبوة. ومن هنا تبدأ قصة أحد أكثر المواقف سخونة وجرأة في تاريخ الصحابة.
جاء في صحيح مسلم:
« أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَوَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ».
هذه المناظرة تضعنا أمام تساؤل خطير وخارج عن المألوف: إذا كان أهل السنة يذهبون اليوم إلى تحريم المتعة واعتبارها زناً، فما بالنا بحبر الأمة وترجمان القرآن، الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، ومن وافقه من الصحابة الذين عرفوا بالحل والدفاع عنها؟ هل يُعقل أن يُنسب إلى صحابي جليل مثل ابن عباس القول بالزنا، حاشاه، وهو الذي تشمله عقيدة “عدالة الصحابة”؟ أم أن هذا يفرض على الباحث المنصف إعادة النظر والشك في جزم حصر حرمة المتعة منذ عصر النبوة؟ بين هذين الطريقين الحائرين، بأي الحالتين يأخذ أهل السنة: أطعنٌ في عدالة صحابي عظيم، أم مراجعةٌ لجذر الحكم وحقيقته؟ سؤال يترك الباب مفتوحاً أمام وعي التاريخ وبصيرة العقول!
