مدرسة أهل الحجاز وموقفهم التاريخي من إباحة المتعة

حين نتأول صفحات الفقه والآثار في صدر الإسلام، نكتشف أن المذاهب والأمصار لم تكن على رأي واحد في كل المسائل. ومن أبرز تلك المحطات، موقف مدرسة أهل الحجاز ومكة المكرمة تحديداً، حيث عُرف عدد من كبار علمائها وفقهائها بالقول بإباحة متعة النساء والاستمرار عليها.

يشهد على ذلك محققو الأمة وحفاظ الحديث؛ فعلى سبيل المثال، يذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه «التلخيص الحبير»:

«وَمِنْ الْمَشْهُورِينَ بِإِبَاحَتِهَا ابْنُ جُرَيْجٍ فَقِيهُ مَكَّةَ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ يُتْرَكُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْحِجَازِ خَمْسٌ، فَذَكَرَ فِيهَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ مَكَّةَ».

فهذا إمام مكة وفقيهها الكبير، ابن جريج، يروي ويقول بالإباحة، وهو امتداد لمدرسة فقهية عريقة في الحجاز لم تكن ترى الحرمة بالطريقة التي استقرت عليها المذاهب لاحقاً.

هذا النقل الصريح يضعنا أمام واقع تاريخي وفقهي بالغ الأهمية؛ فقهاء كبار وأعلام من أهل الحجاز لم يتبنوا القول بتحريم المتعة في أعصارهم المتقدمة. فكيف يتعامل الفكر الإسلامي اليوم مع هذه الأقوال الصادرة عن أساطين الفقه والحديث في مكة؟ وهل هي إلا دليل حي على سعة الخلاف واختلاف الاجتهادات في القرون الأولى؟ سؤال يتركه التاريخ معلقاً أمام كل باحث منصف يتأمل جذور الفقه ومساراته!